أحمد بن الشيخ صالح آل طوق القطيفي
194
رسائل آل طوق القطيفي
وإصرارهم عليه ، وهذا لا ينافي التكليف والاختيار ، وأن بدْأه من عالم الذرّ . ومثّل لذلك بأمثلة كثيرة منها إخبار الرسول صلى الله عليه وآله : عمّن قتل يوم بدر من أهل مكَّة أنهم لا يُسلِمون ، أي علم الله منهم أنهم لا يختارون الإسلام ، بل يصرّون على الكفر . وحاصل الثاني أن المراد بنفي الاستطاعة : صعوبة الانتقال من خلقه المتّصف به من الإيمان والكفر ، لا التعذّر . ومثّل له أيضاً بأمثلة كثيرة منها قوله صلى الله عليه وآله « يا عليّ : ، ثلاث لا يطيقها أحد من هذه الأُمّة : المواساة للأخ في ماله ، وإنصاف الناس من نفسه ، وذكْر الله على كلّ حال » . ومنها قول أمير المؤمنين سلام الله عليه - : « ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعمه بقرصيه . ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك » . وحاصل الثالث أن أحاديث أهل البيت سلام الله عليهم - : تحذو حذو القرآن ، ففيها المحكم والمتشابه ، والخاصّ والعامّ ، والناسخ والمنسوخ ، والمجمل والمفصّل ، وغير ذلك . ولا يحلّ لأحد أن يكذّب الحديث ويردّه إذا لم يستبن له معناه ، بل يسلمه ويردّه إلى أهله ( 1 ) . قلت : وهناك جواب آخر هو أن كلَّا منهما بعد ذلك بكونه نفسه بل حقيقته من مادّة اختياره هناك باختياره ؛ فالمؤمن من مادّة العقل والنور والإيمان ، والكافر من أضدادها ، فكلّ منهما اختار تكوينه من مادّة ، فليس في حكم الله جبر ، حتّى في الخلق ، فلا يخلق شيئاً إلَّا بعد طلبه الخلق وقبوله له باختياره . وجواب آخر هو أن المؤمن لا يستطيع أي لا يختار ولا يطلب أن يكون على غير ما ظهر له بالبرهان الحقّ المحكم المطابق لأصل فطرة الوجود ، فإنّه قد قام عنده البرهان بالسبل الثلاثة على ما اختاره . فعدم استطاعته تشبه عدم إمكان صدور المعصية من المعصوم عليه السلام ؛ لما علمه من حقائق الخلق على اليقين ، مع أنه قادر على فعلها البتّة ؛ لأنه أكمل المكلَّفين بالاختيار ، واختياره أكمل الاختيار ، كما
--> ( 1 ) مختصر بصائر الدرجات : 151 154 ، باختلاف .